PREGNANCY BIRTH

أول من بنى الكعبة

Unknown 0 تعليق 11:45 ص

أول من بنى الكعبة

لم يذكر لنا القرآن الكريم أول من بنى الكعبة ، لكنه ذكر أن إبراهيم (عليه السلام) رفع القواعد فقط، ورفع القواعد دليل على أن هناك بناء كان قد اندثر معالمه بسبب عوامل التعرية الطبيعية وأن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن يجدد هذه القواعد ويظهر معالمها ويبين حدودها فقال سبحانه :
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:127)، ويقول سبحانه:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِى لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود) (الحج:26)، وبوأنا ؛ أى : هيأنا وأعددنا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أعد هذا المكان، وهيَّأه وأضفى عليه سبحانه من البركة والرحمة الشيء الكثير، قال الله تعالى:(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِم) (العنكبوت: 67): وعلى هذا الأساس لم يحدد الحق أول من بنى البيت الحرام ، ولكن هذا البناء أول بناء أقيم على الأرض لعبادة الله ، كما قال الحق سبحانه :(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران:96)
فالبيت الحرام الذى بمكة هو أول بيت وضع للناس فى هذه الأرض؛ ليكون مصدرًا للخير والبركة ، ومَعْلَم الهدى والنور للناس أجمعين، إنه أول بيت على هذه الأرض اتصل فيه الإنسان بربه، منذ طفولته الإنسانية الأولى،  وهو معلوم لجميع  الأنبياء والمرسلين منذ آدم (عليه السلام) فلما اصطفى
الله إبراهيم (عليه السلام) لرسالته دعاه إلى تجديد معالم البيت ورفع قواعده، فالبيت إذًا أقدم فى الوجود من إبراهيم (عليه السلام) بأزمان بعيدة، وإبراهيم (عليه السلام) قد كُلِفَ برفع قواعد البيت ؛ ليكون مُعَدًّا ومُهيئا حتى تتنزل فيه الرسالة الخاتمة، وتَبلغ غايتها؛ حيث تنتشر على العالمين من أم القرى على يد خاتم النبيين والمرسلين، وخاتمهم سيدنا محمد( ، ولهذا كان من دعاء إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) وهما يقومان بعملية رفع القواعد قولهما:(رَبنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:129)، وهناك أقوال لبعض أقوال العلماء أن جماعة من الملائكة كانوا يسكنون الأرض ، فاشتاقت أنفسهم إلى أن يكون لهم بيت فى الأرض يطوفون به حمدًا لله وشكرًا، كما أن ملائكة السماء لهم البيت المعمور، وأن الملائكة بنته بأمر الله، وهذا ما نستخلصه من آراء العلماء؛ ولذا قيل لما حج آدم وطاف بالبيت سبعًا ، ولقيته الملائكة فى الطواف، فقالت: بر حجك يا آدم، أما إنا قد حججنا قبلك هذا البيت بألفى عام، قال: فما كنتم تقولون فى الطواف، قالوا: كنا نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، قال آدم فزيدوا فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فزادت الملائكة فيها ذلك، ثم حج إبراهيم بعد رفع قواعد البيت فلقيته الملائكة فى الطواف، فسلموا عليه، فقال لهم إبراهيم ما تقولون فى طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم، " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". فأعلمناه ذلك. فقال: آدم عليه السلام زيدوا فيها "ولا حول ولا قوة إلا بالله" فقال إبراهيم عليه السلام زيدوا فيها العلى العظيم، ففعلت الملائكة ذلك، إذن فالملائكة تعرف البيت وطافت به قبل خلق آدم، وإبراهيم (عليه السلام) عندما أمره الله برفع قواعد البيت ومعه ولده إسماعيل فلما بدأ العمل بعث الله بغمامة حددت بظلها معالم البيت، ولم تزل هذه الغمامة تحدد مكان البيت حتى فرغ إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) من العمل فانكشفت الغمامة وإلى هذا أشار الحق سبحانه:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْت)(الحج:26)، ومازال البيت على بناء إبراهيم إلى أن تصدع فبنته العمالقة، وبعد فترة انهدم مرة أخرى فبنته قبيلة من جرهم، ثم تصدع فبنته قريش قبل مبعث الرسول( بخمس سنين تقريبًا، وقد اختلفت قبائل قريش فى من يحوز الشرف ويضع الحجر الأسود فى مكانه، وأخيرًا اتفقوا على أن يحكموا بينهم أول داخل عليهم فكان رسول الله( قبل بعثته. فقالوا: هذا هو الصادق الأمين ارتضيناه حكمًا، وعندما رفع إبراهيم (عليه السلام) قواعد الكعبة جعل طولها إلى السماء، تسعة أذرع وطولها فى الأرض ثلاثون ذراعًا، وعرضها فى الأرض اثنان وعشرون ذراعا، وكان البناء غير مسقوف فى عهد إبراهيم (عليه السلام)، ولما بنتها قريش قبل بعث النبى( زادت فى طولها إلى السماء تسعة أذرع فصار ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا ونقصوا من طولها فى الأرض ستة أذرع وشبرا ثم سقفوها، والمكان الذى تركوه من طولها يسمى حجر إسماعيل وهو من الكعبة، والصلاة فيه كالصلاة فى الكعبة لما روى أن السيدة عائشة (رضى الله عنها) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ أَهْلِكَ قَدْ دَخَلَ الْبَيْتَ غَيْرِي، فَقَالَ: " أَرْسِلِي إِلَى شَيْبَةَ فَيَفْتَحَ لَكِ الْبَابَ "، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ شَيْبَةُ: مَا اسْتَطَعْنَا فَتْحَهُ فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَامٍ بِلَيْلٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَلِّي فِي الْحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكَ اسْتَقْصَرُوا عَنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ حِينَ بَنَوْهُ "(1). ولهذا لا يجوز الطواف من داخله كما مر بنا ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ» قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ، لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ»(2) والصلاة فى حجر إسماعيل تكون سنة فقط ولا يجوز صلاة الفرض فيه، وحجر إسماعيل هو القدر الذى ترك من عرض الأساس خارجًا عن عرض الجدار مرتفعًا عن وجه الأرض قدر ثلثى ذراع، وهو الآن بناء على شكل نصف دائرة طرفاه إلى زاوية البيت الشمالية والغربية، وارتفاعه 1.31 متر وسمكه1.53 متر ، والفضاء الذى بينه وبين حائط البيت هو المعروف بحجر إسماعيل، ويدخل إليه من فتحتين بينه وبين البيت وليس الحجر كله من البيت بل نحو ثلاثة أمتار، والباقى وهو نحو 5.50 أمتار كانت مربطا لغنم هاجر وإسماعيل عليهما السلام ، ولهذا يقول ابن عباس ( رضى الله عنهما ): «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَلاَ تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الحِجْرِ، وَلاَ تَقُولُوا الحَطِيمُ فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ»(1)
 والحطيم هو الجدار النائى تحت جدار الكعبة وتحت الميزاب، وهو مغلف بالرخام ، ويقال أن سيدنا إسماعيل وأمه هاجر مدفونان فى هذا المكان، هذا وقد هدمت الكعبة أيام قيام عبد الله بن الزبير بإعلان عصيانه على بنى أمية، وعندما بدأ الحفر ووصل إلى قواعد إبراهيم وأراد الزيادة فى الحفر حرك حجرا فانبعثت من تحته نار أفزعت الناس فأمسكوا عن الحفر فخمدت النار، وأقام الزبير بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ( عليه السلام ) وأدخل حجر إسماعيل (عليه السلام) فيها وهى المسافة التى أنقصتها قريش عند البناء، ولما قتل ابن الزبير أمر عبد الملك بن مروان (الخليفة الأموى) الحجاج بن يوسف الثقفى بإعادة بناء الكعبة إلى ما كانت عليه فى زمن النبى( وكما بنتها قريش، فهدم جانب الحجر ورده إلى ما كان عليه وسد الباب الغربى، ورفع الباب الشرقى عن الأرض إلى حده الذى هو عليه الآن، هذا وابن الزبير( كان قد رفعها تسعة أذرع فأبقى الحجاج الارتفاع على ما هو عليه فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا .
وفى أيام المقتدر الخليفة العباسى ظهرت طائفة من الشيعة تسمى القرامطة نسبة إلى زعيمهم ( أبي طاهر القرمطى ) وهذه الطائفة تسكن البحرين، وبنى أبو طاهر هذا بيتًا فى (هجر) سماه دار الهجرة، وأراد أن ينقل الحج إلى هذه القرية، وشكل عصابات أقامت على الطرق، وكانت تفتك بالحجاج وتأخذ ما معهم، ولما اطمأن إلى أن توجه المسلمين للكعبة قَلَّ ، صار إلى مكة فى جيش كبير أيام الحج، وأعمل القتل فى الحجاج من الذين وفدوا إلى مكة من غير الطرق التى كان يترصدها، وأخذ فى قتل أهل مكة المسلمين واقتلع باب الكعبة، و أخذ ما عليه من ذهب ، ونهب ما فى خزينة الكعبة من أموال ومجوهرات، واقتلع الحجر الأسود من مكانه وأخذه معه إلى بلاده، لكن الله تعالى أصاب هذا الرجل بمرض عضال لم يعرف الأطباء له علاجا ولا مسكنا لآلامه فمات فى عامه بعد صراع مرير مع آلام شديدة؛ لذلك أعاد ابنه الحسين القرمطى الحجر الأسود إلى مكة، وكان يحيط بالحجر برواز من الفضة تضم القطع التى تكسرت منه حين خلعه، وأصبح ما هو عليه؛ وقد قام المهندسون بإعادة ما تأثر وتفتت ، وربطوه بإطار الفضة وأعادوا إليه صلابته .
وفى سنة1040 هـ سقطت جدران الكعبة نتيجة سيول حدثت بمكة. ودخلت المياه إلى المسجد والكعبة فأوهنت جدرانها ، وتساقطت أحجارها الواحد تلو الآخر؛ فأعيد بناؤها ، وانتقوا من أحجارها ما كان صلبا وصالحا واستبدلوا ما وهن منها بغيره؛ والكعبة لها سقفان أحدهما فوق الآخر؛ وارتفاع الكعبة من الداخل إلى السقف الأول مما يلى باب الكعبة ثمانية عشر ذراعًا ونصف ، وفى سقفى الكعبة أربعة نوافذ لإدخال الضوء من السقف الأعلى إلى السقف الأسفل، وبين السقفين فتحة، وفى بناء الكعبة حلق تشد فيها ثياب الكعبة . 

من كتاب مناسك الحج  لفضيلة الدكتور احمد عبده عوض

السابق
هذه أخر تدوينة

0 التعليقات لــ "أول من بنى الكعبة"